محمد حسين علي الصغير

159

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

فالجهل الأول جار على وجهه الحقيقي ، والجهل الثاني محمول على الوجه المجازي ، لأنه ناجم عن الجهل الأول ، فعبر بالجهل مجازا عن مقابلة الجهل وصدّه ، وليس صدّ الجهل جهلا بل هو مكافأة له . وكذلك الحال فيما حمل عليه قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ « 1 » من الاستعمال المجازي ، إذا أريد به العقوبة ، لأن المكر سببها ، وقيل : « ويحتمل أن يكون مكر اللّه حقيقة ، لأن المكر هو التدبير فيما يضر الخصم ، وهذا محقق من اللّه تعالى ، باستدراجه إياهم بنعمه مع ما أعدّ لهم من نقمة » « 2 » . 4 - وفي كل من قوله تعالى : أ - وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً « 3 » ب - إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً « 4 » ج - وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 4 « 5 » نرصد مجازا لغويا مرسلا ، أريد به عكس ما أريد في النوع السابق في علاقته ، وهو المعني بقولهم : تسمية السبب باسم المسبب ، وذلك بأن يطلق لفظ المسبب ويراد به السبب بالذات . ففي الآية ( أ ) أطلق لفظ الرزق على الغيث أو المطر تجوزا ، لأن الرزق لا ينزل من السماء بهيئته وكيفيته المركزية المتبادرة إلى الذهن ، وإنما ينزل اللّه المطر ، ولما كان المطر سببا في الرزق عبر عنه سبحانه بالرزق باعتبار السببية . وفي الآية ( ب ) عبر سبحانه عن أكل المال الحرام بأكل النار ،

--> ( 1 ) آل عمران : 54 . ( 2 ) القزويني ، الإيضاح : 400 تحقيق الخفاجي . ( 3 ) غافر : 13 . ( 4 ) النساء : 10 . ( 5 ) الأعراف : 4 .